الرئيسيةالرئيسية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  دخولدخول  التسجيلالتسجيل  

شاطر | 
 

 رحلات ابن حزم وتنقلاته وأثرها على تفكيره

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
دكتور عبدالباقى السيد
مدير المنتدى
مدير المنتدى


عدد المساهمات : 1140
تاريخ التسجيل : 01/10/2010
العمر : 40

مُساهمةموضوع: رحلات ابن حزم وتنقلاته وأثرها على تفكيره    الأربعاء أكتوبر 27, 2010 9:40 pm

أثرت الرحلات تاثيرا قويا على فكر ابن حزم وثقافته ، وقبل الشروع فى الحديث عن ذلك لابد من تناول اسباب الرحلة بالنسبة للعلماء ، لنقف على الاسباب التى دفعت ابن حزم لها هل هى اسباب طبيعية كغيره من العلماء أم أنه كان منفردا حتى فى رحلاته وتنقلاته ، وتتمثل هذه الاسباب فى الآتى :-
أولا : اتساع الدولة الإسلامية التى امتدت من الصين شرقا إلى المحيط الأطلنطى غربا .
ثانيا : وصف الأقاليم والعناية بها ، والتى اعتبرت جزءا من أخبار الفتوح والمغازى . تمهيدا لتطبيق أحكام الشريعة وتسهيلا لمهمة الولاة .
ثالثا : الارتحال لجمع الحديث من أقوال الرواة والنقلة .
رابعا : الباعث الدينى المتمثل فى تأدية فريضة الحج ببيت الله الحرام ، حيث يلتقى الحاج بمعظم علماء وفقهاء الأمصار .
خامسا : الباعث الاقتصادى المتمثل فى التجارة التى يجنى الرحالة من ورائها النفع والكسب المادى ( 1) .
وبالنظر إلى هذه الأسباب ورحلات ابن حزم نجده لم يكن فيها خاضعا لهذه الأسباب . حتى الباعث الدينى نفسه لم يتحقق لديه بالخروج إلى بيت الله الحرام وقصده بالحج . ولاشك أن ذلك راجع إلى الظروف القاسية التى أحاطت به من اضطهاد وتنكيب سياسى ومصادرة لفكره وآرائه . ومع ذلك فلا يمكن التصديق بأن ابن حزم لم يسقط هذا الفرض عن نفسه بتأديته . فلعله أناب من يضطلع به عنه خاصة وهو صاحب الرأى القائل بأن من وجد من يطيعه فيحج عنه ويعتمر بأجرة أو بغير أجرة فقد استطاع السبيل الذى يجب به الحج ، فى حين أن المالكية لم يروا ذلك استطاعة ولم يوجبوا بذلك حجا (2 )

لقد كانت رحلات ابن حزم إجبارية نتيجة لظروف سياسية ولم تكن بإرادته ، وبالرغم من ذلك فقد حاول ان يستغلها لصالحه وكأنها اختيارية ، ومن ثم أفادته كثيرا فى التعرف على ثقافات جديدة وعلماء جدد وأسلوب جديد فى الجدل والمعيشة ، وهو نفسه يعترف بأسر هذه الرحلات أو قل النكبات السياسية على كثرة مؤلفاته وسيلان ذهنه بقوله " وما ألفنا كتابنا هذا - يعنى التقريب لحد المنطق – وكثيرا من كتبنا إلا ونحن مغربون مبعدون عن الوطن والأهل والولد مخافون مع ذلك فى أنفسنا ظلما وعدوانا لا نسر هذا بل نعلنه " (3 )

وتجدر الإشارة بداية إلى أن رحلات ابن حزم وتنقلاته كانت كلها بين مدن الأندلي ولم يغادرها إلى سواها ، ومن ثم فما ذهب إليه البعض بأنه غادرها إلى القيروان معتمدين فى ذلك على نص أورده ابن حزم فى الطوق قائلا : " ولقد سألنى يوما أبوعبدالله بن كليب القيروانى من أهل القيروان أيام كونى بالمدينة " ( 4) فهو خطأ من وجهين :-
الأول : أن كلمة المدينة فى هذا النص تحريف من الناسخ وأصلها المرية ، وقد تدارك بعض محققى الطوق هذا الأمر وصححا هذا التحريف (5 )
الثانى : أن الكلمة لو كانت المدينة وليست المرية فالمقصود بها قرطبة ، وقد قرر ابن حزم ذلك بقوله " وكان من ولد عبادة بن الصامت قوم يسكنون بالمدينة بباب العطارين عندنا بقرطبة " (6 ) ، ومن ذلك نقرر أن المواطن القرطبى إذا استخدم كلمة المدينة دون تحديد فالمقصود بها قرطبة .

لقد كانت أول رحلة لابن حزم خارج قرطبة مسقط رأسه إلى المرية Almeria سنة 404هـ/1013م ( 7) ، ويرجع ذلك إلى طبيعة الحياة الفكرية بها إذ أنها كانت مركزا للجدل والمناظرات بين الفرق الإسلامية وغيرها ، وابن حزم فى ذلك الوقت كان مغرما بالجدل ، وليس أدل على ذلك من منازلته لأعلم اليهود وأجدلهم فى نفس السنة التى رحل فيها إلى المرية كما أسلفنا القول ، ومن ثم فقد كانت المرية أكثر مدن الأندلس ملاءمة لميوله الفكرية ومتعته العقلية فى تلك المرحلة ، أضف إلى ذلك نزعته الأموية التى وجدت إشباعا لها بالمرية ، لما كان يظهره خيران صاحبها من الميل لبنى أمية فى بادىء أمره .

وفى سنة 407هـ/1016م خرج ابن حزم من المرية إلى حصن القصر Aznalcaza على سبيل التغريب بعد اعتقاله على يد خيران ، بسبب ما نقل إليه بأنه يسعى للقيام بالدعوة الأموية ، وفى سنة 408هـ/1017م ترك حصن القصر إلى بلنسية بعد أن اكتسب ثقافة جديدة ووطد صلته بأهلها (8 ) ، ويرجع اتجاهه لبلنسية إلى سيطرة النزعة الأموية عليها مثلها فى ذلك مثل شاطبة Gativa والبونت ، التى جذبته إليها باعتباره أحد الدعة النشطين والموالين لبنى أمية ، ويبدو أن ذلك هو السبب أيضا فى هجرته لشاطبة والبونت ، فى نفس السنة نراه يغادر بلنسية إلى غرناطة للمشاركة فى صفوف المقاتلين مع عبدالرحمن المرتضى ، ثم رجع إلى قرطبة سنة 409هـ/1019م ( 9) ، ويبدو أن سبب ذلك هو على بن حمود الذى كان السبب فى اعتقاله على يد خيران ، فلما تولى بعده أخوه القاسم بن حمود الذى كان وادعا حيث أمن الناس فى عهده ، آثر ابن حزم أن يعود إلى قرطبة مسقط رأسه ( 10) ، وبعد ذلك نراه فى شاطبة حيث قص علينا محاربة مجاهد صاحب الجزائر الشرقية لخيران صاحب المرية ، وكان ذلك سنة 417هـ/1026م ، ويبدو أنه استوطنها قبل هذا التاريخ ، وظل بها حتى سنة 418هـ/1027م ، وهى السنة التى صنف فيها طوق الحمامة أو التى قبلها ( 11) ، وفى سنة 422هـ/1030م أو بعدها بقليل اتجه إلى قلعة البونت فى عهد صاحبها محمد بن عبدالله بن القاسم ، وكانت لهذه الرحلة أثر عليه فى تزويده بطرق وأساليب جديدة فى التعامل مع أصناف العلوم المختلفة كالتاريخ والحديث والفقه واللغة والبلاغة والشعر وغيرها ، كما أنها منحته الفرصة للإسهام فى تخليد ذكرى علماء الأندلس ومآثر بلدهم . حيث صنف رسالته فى فضل الأندلس بهذه القلعة بناء على رغبة صاحبها كما سبق .

وبعد ذلك اتجه ابن حزم إلى الثغر الأعلى حيث التقى بشيخه أحمد بن محمد الطلمنكى وروى عنه مسند البزار ، واستفاد منه فى الحديث ، وبعض المسائل الخلافية فى الفقه خاصة حكم من مات من أطفال المسلمين والمشركين قبل البلوغ ( 12) ، ويمكن أن نجعل هذه الرحلة قبل سنة 429هـ/1037م ، وهى السنة التى توفى فيها شيخه الطلمنكى ، ونعرف منه أنه رحل إلى مدينة بجاية وأدرك بها إسماعيل الرعينى زعيم مذهب ابن مسرة فى عصره ، واستفاد من ذلك الكثير عن المعتزلة ومبادئها ( 13) ، وبعد سنة 430هـ/1038م نرى ابن حزم يحل بجزيرة ميورقة بدعوة من حاكمها أحمد بن رشيق وكانت هذه الرحلة من أعظم رحلاته ، إذ أن حاكم ميورقة أمنه على تحصيل كل ما يريده من العلوم ونشرها ، خاصة الفقه الظاهرى ، ومن ثم يمكن اعتبارها نقطة الانطلاقة الكبرى للمذهب الظاهرى فى حياة ابن حزم . كما أن عصر الموحدين كان نقطة الانطلاقة له بعد وفاته ، وبعد وفاة أحمد بن رشيق سنة 440هـ/1048م غادر ابن حزم ميورقة إلى أشبيلية وذلك لاجتماع المالكية عليه بعد أن حل أبوالوليد الباجى إلى ميورقة ، وانعدام النصير والمؤيد له ، ولا ندرى ما الداعى وراء حلوله بأشبيلية هل كان بها بهض أصحابه ، أم كان ذلك بدعوة من بعض أهلها ، أم أنها كانت محاولة منه لنشر فكره ومذهبه ، فالمصادر لم تمدنا بمعلومات عن ذلك . بيد أن الواضح للعيان أنه وقع عليه فيها أقصى ما يوقع بالعالم ، إذ أحرقت كتبه علانية بتحريض الفقهاء للمعتضد بن عباد حاكمها . لمهاجمته إياهم ومعارضته لأصول مذهبهم المالكى ( 14) ، وفى آخر عمره نراه يتجه إلى لبلة بعد أن شعر بالحنين تجاهها وهو فى سن الشيخوخة ، وظل بها إلى أن وافاه الأجل سنة 456هـ/1063م ( 15)
وهكذا فقد كانت لهذه التنقلات دورا هاما فى إكساب ابن حزم خبرات علمية ظهرت فى كتابته بصورة جلية ما كان له أن يكتسبها لولا أنه خاض غمارها ، فقد تعرف على أصول المعتزلة ومبادئها فى كل من المرية وبجاية ، وصنف طوق الحمامة بشاطبة والذى ترك أثرا واضحا فى الأدب العربى والإنسانى بصفة عامة ، وكتب رسالته فى فضل الأندلس بقلعة البونت ، والتى تعتبر وصفا للحركة الفكرية بالأندلس فى عصره ، وتشكلت أفكاره فى الملل والنحل ، ومن ثم اتجه لتصنيف كتابه الموسوعى الفصل فى الملل والأهواء والنحل ، والذى بدأه بقرطبة بعد سنة 418هـ/1027م . وكتاب الأصول والفروع الذى صنفه سنة 420هـ/1029م (16 )

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 1) أحمد رمضان ، الرحلة والرحالة المسلمون ، دار البيان العربى ، جدة ، ( د.ت ) ، ص7-14 .
(2 ) أنظر : المحلى ، 5/27 مسألة 815 .
( 3) أنظر : التقريب لحد المنطق ، رسائل 4/346 ، 347 .
( 4) أنظر : ص114 ؛ زكريا إبراهيم ، ابن حزم ، ص39 ؛ محمد أبوزهرة ، ابن حزم ، ص49 .
(5 ) أنظر تحقيق الطاهر مكى ، ص114 ؛ إحسان عباس ، مقدمة رسائل ابن حزم ، 1/35 .
(6 ) أنظر : جمهرة أنساب العرب ، ص354 .
(7 ) ابن حزم ، طوق الحمامة ، ص247،259 .
(8 ) ابن حزم ، طوق الحمامة ، ص247، 259 ، 261 .
( 9نفسه ، ص247،261 ، ، وشاطبة حصن من حصون مدينة بلنسية تقع شرقى قرطبة أنظر ، ابن غالب ، فرحة الأنفس ، ص285 .
( 10) ابن حزم ، ذكر أوقات الأمراء ، رسائل 2/200 .
( 11) ابن حزم ، طوق الحمامة ، ص190 ؛ وانظر Asin placios , Abenhazam ,T.1 P.77
(12) ابن حزم ، الفصل ، 2/388 .
(13) نفسه ، 2/390 .
(14 ) محمد أبوزهرة ، ابن حزم ، ص546 ؛ وانظر سعيد الأفغانى ، ابن حزم ، ص68،69 .
(15 ) ابن سعيد ، المغرب ، 1/355 . وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن ابن حزم أقام بلبلة خمسا وعشرين سنة حتى وفاته . أنظر حسين مؤنس ، الحكومة الأسبانية والهيئات العلمية العربية والأوربية تحتفل بالذكرى المئوية التاسعة لوفاة ابن حزم ، مقال بمجلة العربى ، ربيع أول 1383هـ/أغسطس 1963م ، عدد 57 ، ص22 . وهذا ليس بصحيح لأن معنى ذلك أن ابن حزم رحل إلى لبلة سنة 431هـ/1039م ، وهو لم يغادر ميورقة إلا بعد سنة 440هـ/1048م ، ومنها اتجه لإشبيلية ثم إلى لبلة حيث بقى بقريته منت ليشم حتى وافاه الأجل .
( 16) أنظر ، الفصل ، 1/28 ؛ الأصول والفروع ، ص210 .

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://alhadyalzahry.yoo7.com/index.htm?sid=c2228a5c38d098018d4d
 
رحلات ابن حزم وتنقلاته وأثرها على تفكيره
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: المنتدى الرسمى للدكتور عبدالباقى السيد عبدالهادى :: أخبار الدكتور عبدالباقى وإنتاجه العلمى :: المقالات والردود-
انتقل الى: