الرئيسيةالرئيسية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  دخولدخول  التسجيلالتسجيل  

شاطر | 
 

 "الذخيرة...": ابن بسام وإسهاماته العلمية د. علي محمد النقراط*

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
دكتور عبدالباقى السيد
مدير المنتدى
مدير المنتدى


عدد المساهمات : 1140
تاريخ التسجيل : 01/10/2010
العمر : 40

مُساهمةموضوع: "الذخيرة...": ابن بسام وإسهاماته العلمية د. علي محمد النقراط*   السبت نوفمبر 13, 2010 1:01 am

يرى بعض الأدباء المشارقة أن الأعمال الأندلسية التي اعتنت بالأدب والشعر كثير منها بضاعة مشرقية في ثياب أندلسية ، وفي هذا الكلام بعض الحقيقة وخاصة خلال المرحلة الأولى من تواجد العرب بأسبانيا.

ولعل المثال الذي يمكن الإشارة إليه هنا هو كتاب "العقد الفريد
" الذي لم يقف فيه مؤلفه ابن عبد ربه على أي أثر من آثار الأندلس وأهمل الحديث عن أي لون من ألوان الثقافة الأندلسية في وقت ربما كانت فيه الحياة الثقافية في الأندلس في حاجة إلى من يكتب حولها ويقدم بعض نماذج مبدعيها ويذيع بعض ما تجود به قرائح أهل هذه الجزيرة الجميلة.

وعندما سمع الصاحب بن عباد : بهذا العمل حرص على الإطلاع عليه، لما تصفحه قال: "
هذه بضاعتنا ردت إلينا، ظننت أن هذا الكتاب يشتمل على أخبار بلادنا. لا حاجة لنا به، ثم رده".

ويبدو أن أهل الأندلس أدباء وشعراء وعلماء كانوا يميلون كثيرا إلى قراءة ودراسة الآثار المشرقية، ويرون في كل شيء يأتي من المشرق أمرا جديرا بالعناية والرعاية وربما عد هذا إهمال لأدبهم وانجذابا إلى تراث المشرق. وقد تنبه إلى هذه المسألة خلال القرن الخامس الهجري العالم الأندلسي ابن مدينة شنترين "santarem" ابن بسام الشنتريني "ت: 542هـ/ 1147م"
وتألم إلى هذه الظاهرة وحز في نفسه أن يكون أهل الأندلس مغرومين بكل ما هو مشرقي ومبهورين بكل ما يصدر من عندهم على الرغم من وجود نتاج أندلسي لا يقل أهمية وجودة عما ينتجه المشارقة.

وقد وصف ابن بسام هذه الحالة في صورة تحمل الكثير من السخرية مصورا حالة القلق على أدب جزيرة الأندلس حين قال: "
إلا أن أهل هذا الأفق، أبوا إلا متابعة أهل الشرق، يرجعون إلى أخبارهم المعتادة، رجوع الحديث إلى قتادة، حتى لو نعق بتلك الآفاق غراب، أو طن بأقصى الشام والعراق ذباب، لجثوا على هذا صنما، وتلوا ذلك كتاب محكما...""1".

إلا أن هذا لا يعني أن الحركة الأدبية في الأندلس خالية من المبدعين في مجالات الأدب والشعر، فقد وصف ابن بسام النشاط الأدبي في الأندلس بقوله: "نثر لو رآه البديع لنسي اسمه، أو اجتلاه ابن هلال لولاه حمه، ونظم لو سمعه كثير ما نسب ولا مدح، أو تتبعه جرول ما عوا ولا نبح...". وقد رأة ابن بسام من خلال إلمامه بما أنتجه الأندلسيون أهمية تجليه هذه النظرة غير الموضوعية وإعطاء أهل الأندلس مكانتهم، خاصة أن الأندلس قد تركت إسهامها الذي لا يمكن أن ينكره أحد، سواء تعلق الأمر بالإسهامات الأدبية أو العلمية، وفي الذخيرة نماذج كثيرة من هذه المشاركات.
غيرة لا حدود لها:

من أهم العوامل التي دفعت ابن بسام إلى التصدي إلى مثل هذا العمل، شعوره بالغيرة الشديدة تجاه وطنه، يشجعه في ذلك أهمية هذا الأدب وغناه من ناحية، وندرة الكتابات التي تناقش الحياة الأدبية في الأندلس من ناحية أخرى. ويبدو أنه كان يحس بنوع من الغبن تجاه ما أنتجته قرائح أدباء وشعراء الأندلس، وتجاهل كلك ما هو أندلسي، وإذا استمر الحال على هذه الوتيرة فربما لن يعود لأدبهم ذكر وهم لا يقلون شأنا عن أشقائهم المشارقة في فنون الآداب والعلوم المختلفة، بل ربما تفوق الأندلسيون في مجالات عدة لعل في مقدمتها الموشحات والأزجال.

من هنا فقد رأى ابن بسام أن يأخذ على كاهله مسؤولية تصحيح هذه النظرة الخاطئة تجاه الحياة الثقافية بالأندلس وأن يتصدى لهذه الظاهرة من خلال إنجاز عمل موسوعي يبرز إسهامات الأندلسيين في مجالي الأدب والشعر، وأن يرد على منتقدي الأدب الأندلسي والقائلين بأنه صورة باهتة لما هو في المشرق. وقد أوضح ابن بسام ذلك في مقدمته حين قال: "وأخذت نفسي بجمع ما وجدت من حسنات دهري، وتتبع محاسن أهل بلدي وعصري، غيرة لهذا الأفق الغريب أن تعود بدوره أهلة، وتصبح بحاره ثمادا مضمحلة، مع كثرة أدبائه ووفور علمائه""2".

*
العقبات التي واجهت ابن بسام

لم تكن الطريق أمام ابن بسام سهلة ميسورة، فقد واجهته عقبات في جمع مادة الكتاب، خاصة أن الكثير من ذه المادة لم يكن مجموعا في دواوين أو مجموعات أدبية تسهل مهمته.

وهو في هذا الصدد يقول: "على أن عامة ما ذكرته في هذا الديوان، لم أجد له أخبارا موضوعة ولا أشعارا مجموعة، تفسح لي في طريقة الاختيار منها، إنما انتقدت ما وجدت، وخالست في ذلك الخمول، ومارست هنالك البحث الطويل، والزمان المستحيل، حتى ضمنت كتابي هذا من أخبار أهل هذا الأفق ما لعلي سأربى به على أهل المشرق، وقد قال أبو تمام:
"ولو كان يفنى الشعر أفناه ما قرت
حياضك في العصور الذواهب
ولكنه صوب العقول إذا انجلت
سحائب منه أعقبت بسحائب" "3".

بالإضافة إلى ذلك يشكو ابن بسام صعوبة قراءة هذه النصوص إما بسبب رداءة خط أصحابها أو بسبب التصحيف الذي لحق بهذه النصوص، فهو يرى أنها كتبت: "بخط جهال كخطوط الراح، أو مدارج النمل بين مهاب الرياح، ضبطهم تصحيف، ووضعهم تبديل وتحريف، أيأس الناس منها طالبها، وأشدهم استرابة بها كاتبها، ففتحت أنا أقفالها، وفضضت قيودها وأغلالها، فأضحت غايات تبيين وبيان، ووضحت آيات حسن وإحسان""4".

من خلال ما سبق تتضح الجهود التي بذلها ابن بسام ليقدم هذه الموسوعة الأدبية. وكيف الإشارة إلى أن الذخيرة قد اشتمل على 145 ترجمة مفصلة، ناهيك عن تغطيته لأهم الأحداث التاريخية التي عرفتها أهم حقبة من حقب الأندلس.

لقد بذل ابن بسام جهدا كبيرا في جمع مادته، خاصة أنه أراد من عمله أن يثبت أهمية الأدب الأندلس وأن يكون حجة في وجه ما يشكك في غزارة هذا التراث وأهميته. ويزداد إعجاب القارئ بهذا العمل وصاحبه حين يعرف الأحوال الصعبة التي مر بها الشنتريني وقد ألمح إلى بعضها في مقدمته.

* أهمية وقيمة الكتاب

تكمن أهمية الذخيرة في اهتمامه بعدد كبير من الشعراء وخاصة المغمورين منهم ممن لا نجد لهم نصوصا في غير الذخيرة. علاوة على ذلك فالكتاب يحتوي على نصوص تاريخية قيمة ومهمة تناولت تاريخ ملوك الطوائف نقلها الشنتريني عن ابن حيان"5".

وفي غياب كتاب ابن حيان "المتين" يمكن اعتبار الذخيرة مصدرا أساسيا ي جزء كبير من أهم مراحل التاريخ الأندلسي، واعتماد الشنتريني في كتابه على ابن حيان يدل على ثقة كبيرة فيما أرخه ابن حيان من أخبار ووقائع، وفي هذا الشأن يقول ابن بسام "واعتمدت المائة الخامسة من الهجرة، فشرحت بعض محنها، وجلوت وجوه فتنها... وأحصيت علل استيلاء طوائف الروم... وعولت في ذلك على تاريخ أبي مروان بن حيان، فأوردت فصول، ونقلت جمله وتفاصيله"6

والواقع أن اعتماد ابن بسام على مؤرخ ثقة مثل ابن حيان قد أضفى على الذخيرة أهمية كبيرة ووضعها في مقدمة الأعمال التي يمكن للمؤرخ الأندلسي أن يستعين بها في تحليل كثير من الوقائع والأحداث التاريخية. والكتب فوق ذلك لكه رد مقنع على المشارقة الذين يرون ف الأدب الأندلسي صورة مكررة عن أدبهم ونقل لنصوصهم، وهو أيضا رسالة لأهل الأندلس لكي يعطوا أهمية لتراثهم. وليس هناك أدنى شك في أن الشنتريني قد نجح في تحقيق هدفه. والذخيرة يقدم كذلك معلومات مهمة عن الحياة الأندلسية في مختلف ألوانها من سياسية واجتماعية وثقافية.

* الثعالبي وابن بسام تشابه أم اختلاف؟

يرى بعض الباحثين المعاصرين أن هناك تشابها كبيرا بين الذخيرة لابن بسام ويتيمة الدهر طريقة سار عليها في تصنيف وترتيب مادة كتابه، وقد أوضح ذلك ابن بسام في مقدمته حين قال: "وإن ما ذكرت هؤلاء اتساءا بأبي منصور في تأليفه المشهور المترجم بيتيمة الدهر في محاسن أهل العصر".

فالتشابه هنا في المنهج، أما المادة والأسلوب فقد اختلف منهج الشنتريني عن الثعالبي في مواضع كثيرة. ولعل أهم ما يميز عمل الشنتريني الآراء النقدية ووجهات النظر التي كان يقدمها من وقت لآخر، وهو ما لم يستطع الثعالبي فعله علاوة على ذلك فالكتاب يخلو من أي تعصب فكري وهو ما لم يستطع الثعالبي فعله حينما فضل شعراء على آخرين من غير سند علمي.

وبكلمة أخرى فإن منهج الثعالبي أقرب إلى الجمع والتدوين فهو ينقل نصوصه ويدونها دون إبداء رأي أو مناقشة. في حين أن ابن بسام كما يرى د. طه حسين: "أفقه من الثعالبي بالحياة الأدبية في إقليم من الأقاليم فهو أدق منه ملاحظة لما يكون من الصلة القوية بين طبيعة الإقليم وما ينتج فيه من أدب، بل طبيعة الأجناس البشرية وما تنتج من أدب، بل بين ما يكون من مجاورة الأمم المختلفة وما ينتج من الأدب فهو قد لاحظ مجاورة المسلمين في الأندلس لأعدائهم من الفرنجة وتأثير هذا الجوار فيما كان للمسلمين من شعر ونثر""7".

وعلى الرغم من الجهد العظيم الذي بذله ابن بسام في تصنيف الذخيرة والآراء القيمة التي قدمها فإنه يشعر القارئ بتواضع جم حين يقول:"ولا أدعي أني اخترعت، ولكني لعلي قد أحسنت حيث اتبعت، وأتقنت ما جمعت، وتألفت عنن الشارد، وأغنيت عن الغائب بالشاه، وتغلغلت بقارئه بين النظم والنثر، تغلغل الماء أثناء النور والزهر.."8

والقارئ للذخيرة سيكتشف كنوزا أدبية قيمة ما كانت لتصل إلينا لولا حماسته وغيرته على ما أنتجته قرائح أبناء وطنه الأندلس.

بقي أن نقف قليلا عند محتويات الكتاب، فقد قسم ابن بسام كتابه إلى أربعة أقسام، خصص القسم الأول منه لقرطبة وما يسابقها من وسط الأندلس، والقسم الثاني خصصه لإشبيلية وما يتصل بها من بلاد الساحل البحر المحيط، والقسم الثالث خصصه للجانب الشرقي من الأندلس.

أما القسم الرابع فقد أفرده المؤلف لمن طرأ على جزيرة الأندلس.
وقد شكلت مادة هذا الكتاب فيما بعد نواة أساسية لعدد من المؤلفين وشجعت الكثير من علماء الأندلس للتصدي للكتابة في مختلف المجلات، والكتاب لا يزال إلى يومنا هذا من أهم مصادر البحث في حقل الدراسات الأندلسية وقراءته للمتخصص وغير المتخصص فيها الكثير من الفائدة والمتعة.
_______________
* باحث وأكاديمي ليبي
الهوامش:
"1" ابن بسام الشنتريني، الذخيرة، مطبعة لجنة التأليف والنشر، القاهرة: 1939م، القسم الأول، ج. 1، ص. 2.
"2" الذخيرة، القسم الأول، ج1، ص. 1،2.
"3" الذخيرة، القسم الأول، ج1، ص. 3.
"4" الذخيرة، القسم الأول، ج1، ص. 5.
"5" الذخيرة، القسم الأول، ج1، ص. 5.
"6" من أهم مؤرخي الأندلس وأكثرهم دقة، "377هـ/987م – 469هـ/1076م" له مؤلفات كثير من أبرزها "المتين"، و"المقتبس في تاريخ الأندلس".
"7" الذخيرة، القسم الأول، ج1، ص. 7.
"8" الذخيرة، مقدمة الكتاب.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://alhadyalzahry.yoo7.com/index.htm?sid=c2228a5c38d098018d4d
 
"الذخيرة...": ابن بسام وإسهاماته العلمية د. علي محمد النقراط*
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: التاريخ والحضارة والسير والطبقات والأنساب :: التاريخ القديم والوسيط والإسلامى والحديث وتاريخ الدول العربية المحتلة والسير والأنساب-
انتقل الى: